أبي الفرج الأصفهاني

145

الأغاني

منه ، فشرب عليه وأمر لي بثلاثمائة ألف / درهم ؛ فوثب إبراهيم الموصليّ فحلف بالطلاق وحياة / الرشيد أنّ الشعر له قاله البارحة وغنّى فيه ، ما سبقه إليه أحد ؛ فقال إبراهيم : يا سيّدي ، فمن أين هو لي أنا لولا كذبه وبهته [ 1 ] ! وإبراهيم يضطرب ويضجّ [ 2 ] ؛ فلمّا قضيت أربا من العبث به قلت للرشيد : الحقّ أحقّ أن يتّبع ، وصدقته ؛ فقال للموصليّ : أمّا أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى ردّه ، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضا مما جرى عليه ، فلو بدأت أنت بالصوت لكان هذا حظَّلك ؛ فأمر له بها فحملت إليه . سأله محمد بن يحيى أن يقيم عنده في يوم مهرجان وله كل الهدايا التي تهدى إليه ، فلما صارت إليه فرّقها جميعا : أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن مخارق قال : أتى إبراهيم الموصليّ محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان ، فسأله محمد أن يقيم عنده ؛ فقال : ليس يمكنني لأن رسول أمير المؤمنين قد أتاني [ 3 ] ؛ قال : فتمرّ بنا إذا انصرفت ولك عندي كلّ ما يهدى إليّ اليوم ؟ فقال : نعم ، وترك في المجلس صديقا له يحصي ما يبعث [ به ] [ 4 ] إليه ؛ قال : فجاءت هدايا عجيبة من كلّ ضرب ؛ قال : وأهدي إليه تمثال فيل من ذهب عيناه ياقوتتان ؛ فقال محمد للرجل : لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة ففعل ؛ وانصرف إبراهيم إليه فقال : أحضرني ما أهدي لك ، فأحضره ذلك كلَّه إلا التمثال ، وقال : لابدّ من صدقك ، كان من الأمر كذا وكذا ؛ فقال : لا ! إلَّا على الشّريطة وكما ضمنت ، فجيء بالتمثال ؛ فقال إبراهيم : أليس الهديّة لي فأعمل فيها ما أريد ؟ قال : بلى ، قال : فردّ التمثال على الجارية ؛ وجعل يفرّق الهدايا على جلساء محمد شيئا شيئا وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم [ 5 ] من جواريه حتى لم يبق منها شيء ، ثم أخذ من / المجلس تفّاحتين لمّا أراد الانصراف وقال : هذا لي ، وانصرف ؛ فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله . زاره الرشيد ليلا وغنته جواريه : وقال أحمد بن المرزبان حدّثني بعض كتاب السلطان : أنّ الرشيد هبّ ليلة من نومه ، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض فركبه ، وخرج في درّاعة وشي متلثّما بعمامة وشئ ملتحفا بإزار وشي ، بين يديه أربعمائة / خادم أبيض [ 6 ] سوى الفرّاشين ، وكان مسرور [ 7 ] الفرغانيّ جريئا عليه لمكانه عنده ، فلما خرج من باب القصر قال : أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة ؟ قال : أردت منزل الموصليّ . [ قال مسرور : ] [ 8 ] فمضى ونحن معه وبين يديه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم ؛ فخرج فتلقّاه وقبّل حافر حماره وقال له : يا أمير المؤمنين ، أفي مثل هذه الساعة تظهر ! قال : نعم ، شوق طرق لك

--> [ 1 ] البهت ( بالضم ) : الافتراء والكذب . [ 2 ] في ط ، ء : « ويصيح » . [ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « لأن رسول أمير المؤمنين قاعد » . [ 4 ] الزيادة عن ط ، ء . [ 5 ] في ب ، س : « في دور الخدام » . [ 6 ] في ط ، ء : « أسود » . [ 7 ] كذا في ط ، ء . وفي باقي الأصول : « منذر الفرغاني » . ولم نعثر على هذا الاسم فيما بين أيدينا من الكتب التي تحدّثت عن حياة الرشيد الخاصة والعامة . [ 8 ] الزيادة عن ط ، ء .